22 يناير, 2012

خبرتوا حدٍ يبكي على واحدٍ يبكيه !!!





للمرة الأولى يسمع ( بيشة)
سمعهم يقولون : راحت لبيشة
ذيك الساعة اختلطت في ذهن الطفل ذي العشر سنوات 
مشاعر متناقضة
بين أن يكره ( بيشه)
تلك التي أخذت منه أعز إنسان عرفه
أمه
وبين أن يحبها لأن أعز إنسان أيضا أنتقل لها
***
لي أيام مدري وين دارك ولا أدري ليه
وأنا خابر إني باب شفك ومزلاجه 

بين هذا وذاك
كان ينتظر درس الجغرافيا
ليسأل المدرس بلهجة المتعطش للمعرفة

* أستاد ممكن أسألك سؤال ؟
* اسأل 
* وين بيشه فيه ؟
ورسم لأحلامه طريقا يمر عبر تلك الخريطة الكبيرة الملونة


التي يحملها المدرس في ذهابه وإيابه
وجاء الجواب مختصرا :
ما ورا بيشة عيشه
وصفعه الجواب
وربما في لحظة انتصار على قرار والدته
بدأ في تفكيك هذا الجواب
وتحليله ليخرج بحقيقة لم ولن يشك فيها
زواج والدتي المطلقة خطأ
ولن تجد الراحة هناك
ومع لك
ظل الحزن يلازمه
ولم تستطع جدته ( أم أبيه)
أن تملأ الفراغ الحاصل من زواج والدته
هنا تبدأ رحلته مع الفراق
ومع الفقد
كانت والدته لبنة أولى في ها الطريق الموحش من وجهة نظره .
***
وترى قصرنا اللي كم سنة نجمع ونبنيه
هوى العذل طيح بابه العود وسياجه
 

بدات الأمور تتجه نحو النسيان
وربما
ذهابه مع والده لرؤية
بيتهم الجديد
الذي لا يزال في طور البناء


يعيد بعض بقايا الذكرى
لا يزال يتذكر كلام والدته
هذي غرفتك
وذي غرفة مشاعل
وذي غرفتي أنا وابوك
ويأتي التساؤل :
يمه غرفتك بعيده ليش؟
علشان تنام بهدوء انت ومشاعل
وبعدين وأنا امك تراني قريبة منك
حتى لو صارت غرفتي بعيدة
هنا تمنى لو انطبق الكلام حرفيا
وأصبحت قريبة
وكيف يكون القرب وهي في ( بيشة)
وكم أصبح لا يحب هذه العمارة الجديدة
وعندما يستبد به الشوق يحبها ويطلب الذهاب مع والده لها
تماما ( كبيشة)
مشاعر مختلطة لا يعرف لها استقرارا ولا ثباتا .
***
ياهيه إلتفت لي وإسمع دعاي لك يا هيه
ترى عادتك تشبع من البعد واتواجه 


في حصة التعبير طلب منهم المعلم
موضوعا مفتوحا
اكتبوا اللي تبون




عبروا عن أي شيء
وهنا ارتسمت بسمة على شفاهه
سأكتب رسالة لأمي
قالها بينه وبين نفسه
ربما شوقا وربما حزنا وربما نداء للرجوع
كتب :
أمي
والدتي
كم أنا أحبك
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كيف حالك
متى بتجين يمه
بيتنا الجديد بيخلص وما شفناك
يمه تعالي
خلاص بنوم بدري
بذاكر دروسي
بصلي في المسجد وبروح قبل الإقامة
وبسجل في التحفيظ 
بس تعالي
يمه طولتي
ما شبعتي من فراقنا
حنا شبعنا وملينا
تكفين يمه تعالي

***
دعيتك بصوتٍ ياصلك ليه ما توحيه
وأنا أسمع ضلوعك من صدى الصوت لجاجه 


كانت الأحلام متنفسه الوحيدة
بدون أن يشعر تأتي له بمن يريد
بمن يحب
رأى يوما في حلمه
والدته
وهي تقرأ رسالته



تقرأ مشاعره
التي كتبها في دفتر التعبير
تتساقط الدمعة من عينيها
وتمزق الورقة وتضمها لصدرها
وتناوله الدفتر
يمه كان ضميتيني بدال هالورقة



يمه تصدقين
للحين أتذكر يوم أطيح من السيكل
أتذكرك طلعتي للحوش 
وضميتيني
وسميتي علي
وانا قاعد أضحك
روعوك يوم قالوا طاح
وما نسيت أبد ترى ذاك اليوم سألتك
يمه ليش قلبك يدق بقوة
علشانك يا وليدي
بس مافيني شي
ولو خفت عليك
يمه تصدقين
ودي أطيح من السطح
وتدرين
عشان تضميني مرة ثانية
***
غيابٍ بلا سبة هجادٍ بلا تنبيه
وجفا أغلى العرب نارٍ على الكبد وهاجة 


حمل حلمه في قلبه
وانتظر مدرس القرآن حتى خرج من الفصل
ليسأله عن حلمه
ربما هو الوحيد الذي يثق به
ملامح التدين ولحيته الوقورة
وتعامله الحسن مع الجميع
جعلته يتجرأ
ويلحق به
لم ينتظر المدرس بل بادره بالسؤال
سم يا مشعل وشفيك عسى ماشر ؟
معليش أسالك سؤال يا استاد
اسأل 
أحس المدرس برغبته أن يكون الحديث 
خاصا
انتحى به جانبا
وهنا جاء مدرس الحصة التالية
ليبادرة مدرس الدين
ترى مشعل معي دقيقة ويجيك
أبد تامر يبو سعود لو تبي الفصل كله
استاد أمس شفت حلم
وودي أعرف تفسيره
خير ان شاء الله
وقص مشعل الحلم على مدرسه
وسأله :
امك معك في البيت؟
لا ببيشه؟
وراه ؟
هنا تغير الحال
أن تبحث عن إجابة لتساؤل ملح
في ذهنك
تتفاجأ بأن الجواب ينبثق عنه تساؤل
لم ولن تستطيع الإجابة عنه
ربما لصغر سنك
وربما لتعمدهم إخفاء السبب
وفي كل الحالات
لا تملك جوابا مقنعا
لتساؤل مرير
ليش أمي راحت لبيشة ؟
***

عسى منزلٍ ضمه حقوق الوسم تسقيه
وتضحك له الدنيا وهو يضحك حجاجه


في جلسة والده الشتوية في الملحق


لا يزال يتذكر
نشرة الأخبار
والمذيع يبدا 
هطلت أمطار غزيرة على كل من
وادي الدواسر
السليل
نجران
بيشة
عندها ضغط الأب على الريموت
ليغير المحطة !!
ومع ذلك سمع الاسم (بيشة)
الذي ما كاد يسمعه 
حتى تسارعت دقات قلبه
وتمنى لو كان قطرة مطر حتى يختار الهطول هناك
***

أحبه ولا أبغضته على شيٍ يسويه
ولا زالت رقاب الرجا فيه منعاجة 


كان الكلام يدور بين جدته
ووالده 
حول ضرورة زواج والده
يتسرب بعض الكلام لمسامعه
ومن هذا الكلام نوع من العتب على أمه
اللي خلت عيالها وتزوجت ولا سألت ولا اتصلت
ومع هذا الوصف
وهذه الصفات لم يتسلل الكره لقلبه
ومازال الأمل يحدوه برجوعها لهم
خصوصا بعدما سمع الكلام عن مرض زوج والدته ودخوله المستشفى .
***

ترى العفو قد جاك أوله وإغتنم تاليه
وترى الحلم بحرٍ غير لا تامن أمواجه 


أخبار مرض زوج والدته 
جعلت الحديث يدور عن رجوعها
لهم خصوصا عندما سأل أباه
في لحظة جرأة نادرة
يبه لو يموت زوج امي
بتخليها تجي ثاني مرة ؟

اها بس وش هالكلام
امك هي امك ان بغت
تجيكم فالله يحييها 
البيت بيتها
بس ما ظنيت تجي .

***
يموت الأمل لكن ظنون الغلا تحييه
وعروق الوفا فالروح والقلب وجاجة 


خبر خروج زوج والدته من المستشفى
جعله يتراجع قليلا عن آماله
برجوعها
ويحاول التأقلم على محو كل بارقة امل
ولكن هل يستطيع؟
ربما لو تخلص من بعض الغلا
وقليل من الحب لاستطاع ذلك
وأنى له ذلك؟ !!!
***
وترى الود ليلٍ مظلمٍ جيتلك ساريه
سراجه وصالك والجفا ينفخ سراجه 


في حصة التربية الفنية
كان الكلام للريشة
فتح كراسته

وأخرج ألوانه


رسم في زاوية الورقة
مصباحا مضيئا 
ولوّن بقية الورقة بالسواد
ومن هذا المصباح تنبثق
أشعة تصل للزوايا الثلاث
الأخرى من الورقة
في الزاوية العليا كتب
تحت صورة رجل رسمه :
ابوي
وفي الزاوية اليمين
رسم طفلا وكتب تحته :
مشعل
وفي الزاوية اليسرى رسم بنتا
و كتب تحتها : مشاعل
***
نضج قلبي من البعد وش حاجتك تكويه
جفاك الجمر والصبر في بعدك الصاجه 


وللملحق حديث آخر
وللشتاء طقوس مختلفة
لعل أحدها شبة الضو



في انتظار والده وضيوف والده
جلس وحيدا 
لينفذ وصية والدة :
شب الضو وانا ابوك
أخذت يده تلعب بال (ملقاط)
بينما تفكيره
لا يزال في رحلته اليومية
لها
لم ينتبه إلا للحراة وهي تلهب وجهه
ليرمي الملقاط
وينخرط لوحده في نوبة من البكاء
***
خبرتوا حدٍ يبكي على واحدٍ يبكيه
وخبرتوا حدٍ مسجون ما يبغي إفراجه 


نوبة البكاء لم تتوقف



إلا عندما دخل والده لوحده 
منتظرا الضيوف
لينهر مشعل
قسم بالله ما تستاهل هاللي تبكي
عشانها
ولا دمعة وحدة من دموعك الغالية
ترى هي السبب
ولوها ما خلتكم وراحت
كان مابكيت هالبكاء كله
وتأتي لحظة من التأييد وربما التفكير
لحديث الأب المنطقي
من وجهة نظر العقل
فعلا هي السبب فراقها 
خلاني أبكي
ليتوقف التفكير
وتعود عروق الغلا وشرايين 
المحبة تضخ شيئا من الحنين
لمن جعلته يبكي يوما ما .

وطبع حبك بقلبي والأيام ما تمحيه
هذا هجرك يحاول يموجه ولا ماجه


حديث والده مع ضيوفه
وتطمينهم لوالده
عندما قالوا :
بكره يكبر وينسى
جعله يقسم بينه وبين نفسه
أنه لن ينساها
وسيبقى يحبها
الين يوم القيامة
هكذا فكر وهكذا رغب
وهكذا أوصله غلاها
ليوم القيامة !!!

***
عليك الفؤاد إخلاجه مصمخ راعيه
خف الله في راعيه ما تسمع إخلاجه 


لم يعد للمكان قيمة
ولم يعد للزمان من وجهة نظره أهمية
هي ثواني
تشكل دقائق
تتجمع لتصبح ساعة
لتتحد مع رفيقاتها فتصبح
يوما يضاف لأيام فراق والدته
التي أخذ يحسب عددها
ليفيق من لغة الأرقام
على نداء والده
هالحين انت ورى ما تصب القهوه
أصقه انت ؟
وكم تمنى لو أجاب
نعم أصقه
لم أعد أسمع سوى
صوت الدقائق البغيض
وضجيج الأيام المتوالية
التي لا يمكن لها أن تتوقف .
***
فقد خاطري شي من الضيقة مسليه
وغدت روحي من الناس والليل هجاجة 


لم يعد الشاب طفلا
أصبح يقود سياره
مفاتيحها في جيبة
ومع ذلك
فرحه الأكبر كان
إمتلاك قراره
لا امتلاك سيارة
عندها
أصبح يرفض مرافقة والده
في زياراته لأعمامه
وجيرانه
بل امتد الرفض والاعتذار حتى عن المشاركة في استقبال ضيوف والده
و(صب القهوة)
امتلك تفكيره شيئا واحدا
وروحا واحدة
أمه
***
أروح لمكانٍ خابره .. خابره يأتيه
أسوق القدم صوبه وهي مالها حاجة 


بيت جدته لأمه
كان مقصده الدائم
ووجهته المعتادة
يضرب الجرس
فتفتح الشغالة الباب
يدخل ليقبل رأس جدته
ويتقهوى معها
ثم يمرعابرا على (المقلط)
مكان جلوس خالاته إذا جو
يفتح الباب
يملأ صدره بالهواء
ويغادر وفي عينيه بقايا دموع
مسحها بكم ثوبة .
***
مكانٍ نزيه وأول مواجهي له فيه
وأنا خابرٍ ما رجل مثله بدواجة


مشعل وانا ابوك
وش عندك في حارتنا القديمة
يبه أزور أصدقاي
بس كل ربعوا شدوا
وما بقى في الحارة أحد من جيراننا الأولين
يبه أحب أمر من عند بيتنا القديم
بس خلاص وانا ابوك بعناه
ولو أحبه وأحب أمر من عنده
وعندها تمنى لو استطاع أن يري والده
صورا التقطها لبيتهم القديم
ومن زوايا مختلفة
احتفظ بها في قلبه
قبل أن يحتفظ بها في البوم صور ضخم .
***
لعل وعسى ما حدني للمجي يدعيه
وأشوفه وأنا ما ودي أسبب إحراجه 


سألهم دكتور قسم
( الكيومسترى) في كلية العلوم


عن رغباتهم
في المستشفيات التي يرغبون التطبيق فيها
اختار (التخصصي)
هناك يرقد زوج والدته
وهناك بارقة أمل أن يراها تزوره !!!
***
يحب الجريح آخر دروب اللقاء ويجيه
وتحب القدم جية مكان أول مواجه


المشهد الأخير
سيارة كامري 2011



يصدح السيدي بها بالشيلة التالية

http://www.youtube.com/watch?v=HGy4H3hPWqY


وهي تسير في اتجاه الجنوب
وبسرعة مقبوله
ويلمح الشاب السائق
لوحةعلى الطريق :

بيشة : 25 عام !!!



===
* الأبيات لبن فطيس
* القصة خيالية


4 التعليقات:

غير معرف يقول...

رائعه بمعنى الكلمه
دموعي لاشعوريا وبدون استئذان
بللت خدي!
سافرت مع مشعل والله وغرقت بكل حرف :'(
استيقظت على نداء تلميذتي:
يا مس ينادونك تاخرتي على الحصه 
الله المستعان كم قلب طفل ينفطر
وكم خاطر شاب محمل بذكريات فراق اعز انسانه!
ياالله لاتجعلنا فاقدين ولا مفقودين .
صاد
ابدعت ابدعت ..
Haifaa

صاد يقول...

شكرا لك
وأعتز بكل حرف
أسأل الله لك السعادة والخير

Njood يقول...

آآه قصه مؤلمه بكل ما تحمله الكلمه من معنى ..
خنقتني العبره ونزلت دموعي فعلآ ما فيه أحد يقوم بدور الأم ولا يسد مكانها ;(
ربي أطل في أعمار أمهاتنا و أرزقنا برهم ;(

شكرا صآد .. حرفك رائع ،

صاد يقول...

شكرا هيفاء
ممتن لكل حرف
ودعواتي لك بحياة سعيدة